الثلاثاء، 6 يونيو 2017

نظرة فى تعديلات قانونى الإجراءات الجنائية(أ. د / أمين مصطفى السيد)

نظرة فى تعديلات قانونى الإجراءات الجنائية
وحالات وإجراءات الطعن بالنقض بالقانون رقم 11لسنه 2017
*********************
أ. د / أمين مصطفى السيد
أستــــــاذ القــــــانون الجــــنائى
ووكيل كلية الحقوق – جامعة الاسكندرية
يمكن القول بداية أن المشرع المصرى بالتعديلات التى أدخلها على قانونى الإجراءات الجنائية والطعن بالنقض مؤخراً قد تبنى ثلاثة اتجاهات جديدة تشكل من وجهة نظرى تحريكاً لأسس هامة فى قانون الإجراءات الجنائية . ولا أقصد من ذلك أن أعبرعن نظرة تفاؤليه أو تشاؤميه بشأن تلك التعديلات ، ولكن نظرة سريعة نستبين بها مدى الحاجة لتلك التعديلات وأثرها على الواقع العملى والتشريعى .
وتستند أخطر تلك التعديلات إلى ما يلى :-
11- منح المحكمة الجنائية السلطة التقديرية الكاملة فى الإستجابة لطلب الخصوم مناقشة شهود الإثبات ( مادة 277 إجراءات جنائية ).
إذ كانت المادة (2777) قبل إستبدالها تلزم المحكمة الجنائية بالإستجابة لطلب دفاع المتهم مناقشة شهود الإثبات ، حيث كانت المادة 295 قبل تعديلها تجيز للمحكمة أن تقرر تلاوة الشهادة إذا تعذر سماع الشاهد وخاصة إذا قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك .
 مما كان يضع محكمة الجنايات بصفة خاصة أمام مصيرها المحتوم فى قبول طلب الدفاع الحاضرمع المتهم بمناقشة شهود الإثبات ، وإلا تعرض حكمها للنقض للإخلال بالحق فى الدفاع ،ولكن مع استبدال نص المادة (277) أصبحت تقضى بأنه " ..... يحدد الخصوم أسماء الشهود وبياناتهم ووجه الإستدلال بهم ،وتقرر المحكمة من ترى لزوم سماع شهادته ، وإذا قررت المحكمة عدم لزوم سماع أى منهم وجب عليها أن تسبب ذلك فى حكمها . ثم يأتى المشرع فى المادة (289) ليجعل للمحكمة الحق فى تلاوة الشهادة التى أبديت فى التحقيق الإبتدائى أو فى محضر جمع الأستدلالات أو أمام الخبير إذا تعذر سماع الشاهد لأى سبب من الأسباب ودون أن يتوقف ذلك على قبول المتهم أو الدفاع الحاضر معه .
2 - جواز حضور وكيل خاص عن المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات
وهنا يبلغ الطموح أشده بالمشرع المصرى فيجيز لوكيل أن يحضر بدلاً من المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات وذلك بالمادة (384) إجراءات ويكون الحكم الذى يصدر فى هذه الحالة حضورياً. وكان من الطبيعى فى ظل هذا التعديل أن يسمح للوكيل الخاص أن يقوم بإجراءات إعادة المحاكمة بشأن الحكم الغيابى الصادر ضد المتهم بجناية وذلك عملاً بنص المادة (395/1،2) إجراءات .
3- نظر محكمة النقض الموضوع عند نقضها للحكم
وهو أيضاً إتجاه خطير من المشرع المصرى ، إذ كانت القاعدة أن محكمة النقض – كمحكمة قانون – تنظر الطعن بالنقض وتعيد الدعوى إلى المحكمة التى أصدرته بهيئة جديدة لتحكم فيها من جديد، وإذ جاء المشرع بنص جديد بالمادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض ليجبر محكمة النقض فى حالة نقض الحكم أن تنظر موضوعه إذا كان الطعن مبنياً على بطلان فى الحكم او بطلان فى الإجراءات أثر فيه , ونص فى تلك المادة على أنه " بتبع فى ذلك الاصول المقررة قانوناً عن الجريمة التى وقعت ويكون الحكم الصادر فى جميع الاحوال حضورياً"، ثم يأتى المشرع بالمادة 46 من قانون النقض ينص على أنه " مع عدم الاخلال بالأحكام المتقدمة إذا كان الحكم صادراً حضورياً بعقوبة الاعدام يجب على النيابة العامة أن تعرض القضية على محكمة النقض مشفوعة بمذكرة برأيها فى الحكم . وذلك فى الميعاد المبين بالمادة (34) وتحكم المحكمة لما هو مقرر فى الفقرة الثانية من المادة (35) والفقرة الثانية من المادة (39) " .
هذه هى أخطر الاتجاهات الثلاثة التى جاءت بالقانون 11 لسنة 20177 فيما يتعلق بقانونى الاجراءات الجنائية والطعن بالنقض ، إذ أصبح لمحكمة الجنائية السلطة التقديرية التامة فى رفض طلب دفاع المتهم سماع شهود الاثبات طالما أنها سوف تسبب رفضها ، كما أصبح المتهم غير ملزم بالحضور أمام محكمة الجنايات طالما حضر وكيله الخاص ، وأخيراً محكمة النقض تتحول إلى محكمة موضوع وتنظر وتقضى فى الدعوى حضورياً.
والتســــــــاؤل.........
هل نسعد بهذه التعديلات أم نقلق منهاا000000
هل نسعد بها لأنها ستقلل من أمد التقاضى , فمحكمة الجنايات يكفيها فقط لرفض طلب سماع شهود الاثبات فى الجلسة الاولى من تسبيب رفضها بوضوح الأقوال وكفايتها فى محضر التحقيق أو تقرير الخبرة .
نسعد بها لأن عدم حضور المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات وحضور وكيله الخاص وهو محاميه ، سيرفع هذا الحجر الثقيل الذى يجسم على قلب كل محامى يدافع امام محكمة الجنايات وخشيته على متهمه من الحكم عليه بالإدانة وسلب حريته وضياع أمله فى أى فرصة للطعن إلا بالنقض والذى لن يتحقق إلا بعد سنوات , ولن ينظر فيه إلا للقانون وليس للموضوع ، ومن ثم تصبح الفترة بين صدور حكم محكمة الجنايات بتوكيل ونظره من محكمة النقض هدنة يستريح فيها المدافع عنه وتهدأ نفس المتهم لحين نظر طعنه .
نقلق إذن...... مما نقلق .....
 نقلق بل يجب علينا أن نقلق من كثير من الأمور أهمها :
نقلق لأن عدم سماع شهود الاثبات إذا أقتضى الامر قد يمس صراحة ضمانات المتهم فى تحقيق دفاعه ، ومن ثم تنظر الجناية فى وقت قصير دونما أنتظار لما كان من الممكن أن تكشفه أقوال شهود الاثبات أمام محكمة الجنايات .
نقلق كمحكمة جنايات عند حضور الوكيل الخاص عن المتهم بجناية ولا يحضر المتهم نفسه ، كيف سوف أعاين كقاضى المتهم وأتفرس فى وجهه وأناظر جسده ، وأرى مدى إمكانية وقوع الجرم منه من عدمه بالنظر لمقومات الجسد أو حركته أو نطقه أو قدراته العقلية أو النفسية ، كيف سأقف على بواعثه وأغراضه من اقتراف جرمه .
نقلق كمحكمة جنايات حين أرى أن المتهم بجنحة ملزم بالحضور أمام محكمة الجنح فى حالات النفاذ المعجل , وملزم بالحضور فى كل الاحوال أمام محكمة الجنح المستأنفة (فيما عدا حالات الإدعاء المباشر ) .
وماذا عن المتهم بجنحة تنظر أمام محكمة الجنايات كالجرائم التى تقع بواسطة الصحف ضد ذوى الصفة العمومية حيث تقضى المادة 40 من قانون الصحافة رقم 96 لسنة1996بانه إذا حركت الدعوى الجنائية أمام محكمة الجنايات بسبب الجرائم التى تقع بواسطة الصحف جاز للمتهم أن ينيب عنه وكيلا لمتابعتها ما لم تأمر المحكمة بحضوره شخصيا ..
نقلق كمحكمة نقض حين يزيد العبء عبئاً ثقيلاً جديداً , إذ حال محكمة النقض قبل التعديل وهى محكمة قانون لديها تضخم فى عدد الطعون أمامها والتى لم يفصل فيها بعد , وأغلبها لا ينظر إلا بعد سنوات , ماذا الأن بعد هذا التعديل , فلن يكفى أن تقضى المحكمة بنقض الحكم وتعيد , لكن سوف تنقض وتنظر الموضوع كمحكمة موضوع !
إذن لابد من فحص الدعوى ووقائعها والحكم فيها بحكم حضورى مما يزيد الطعون المتاخرة تاخيراً .
نقلق لأن محكمة النقض سوف تفقد دورها كمحكمة قانون ووظيفتها توحيد المبادئ القانونية لمجرد محكمة موضوع أو بالأخرى ولنقل صراحة تصبح محكمة جنايات مستانفة !
أقلق كمتهم ( طاعن ) امام محكمة النقض لاننى فقدت درجة تقاضى , إذ بعد أن كانت محكمة النقض تنقض وتعيد، ثم يكون لى أن أطعن بالنقض , أصبح الأن محكمة النقض تنقض وتنظر وتقضى حضورياً وحكمها بالطبع غير قابل للطعن علية بالنقض .
أقلق كمتهم ( طاعن ) محكوم علية بعقوبة الإعدام فقدت هذه الضمانة الهامة ،فمثلى فى موقفة لا يعادله محكوم عليه , كيف أفقد حقى فى نقض حكمى للمرة الأولى وهو ما يحدث، ثم الإعادة ثم نقض حكمى للمرة الثانية ثم النقض والنظر فى الموضوع أخيراً .
أقلق كإدارة تنفيذ الأحكام , فضلا عما أعانية من تضخم من عدم الأحكام المطلوب تنفيذها سأجد سيلاً من الأحكام الصادرة من محاكم الجنايات حضورياً بتوكيل ، وهى أحكام بعقوبات شديدة . تزيد فى قلقى على مجتمعى وهو يرتع فيه هؤلاء المحكوم عليهم بتلك العقوبات ، وما قد يلجأون إليه من وسائل للأختباء والتخفى، وما قد يدفعهم ذلك لأرتكاب جرائم أخرى فى سبيل الهرب من تنفيذ تلك الأحكام .
ماذا نفعل الأن أمام هذا الكم من القلق من فقد بعض ضمانات المتهم ، والتقاضى أو زيادة الأعباء أو الإخلال بسلامة المجتمع القانونى نظرياً وواقعياً .
لا أجد مفراً فى محاولة معالجة الأثار السلبية لتلك التعديلات إلا أن أتوجه للمشرع المصرى وبشدة إلى تفعيل النص الدستورى الوارد بالمادة 240 من دستور 2014 حين نصت على أنه " تكفل الدولة توفير الامكانيات المادية والبشرية المتعلقة باستئناف الأحكام الصادرة فى الجنايات وذلك خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور ، وينظم القانون ذلك "
وهكذا صدور قانون لاستئناف الجنايات قد يواجه الكثير من أوجه التخوف والقلق من تلك التعديلات . إذ أنه إذا حضر المتهم بجناية بتوكيل أمام محكمة الجنايات فإنه لابد من حضوره أمام محكمة الجنايات المستأنفة .
- كما أن وجود محكمة الجنايات المستأنفة ونظر الجناية على درجتين سوف يجعل من المستساغ قبول نظر محكمة النقض الموضوع والقضاء فيه حكم حضورى .
ولا يمكن الرد على ذلك بعدم توفر الإمكانيات البشرية والمادية , لأن ذات الأعباء التى ستحمل بها محكمة النقض كمحكمة موضوع ويؤثرعلى وظيفتها يمكن أن تتحمله محكمة الجنايات المستأنفة .
وبحسب ظنى أن القائمين على تنظيم القضاء المصرى الشامخ يقدرون مدى الحاجة لإنشاء محاكم جنايات مستأنفة وأنى على يقين أن لديهم من الافكار والمبادئ الحاكمة التى سوف تساعدهم على إنشاء محاكم جنايات مستأنفة لم تعد بدعة , أغلب دولنا العربيه تعمل بها , المشرع الفرنسى أنشأها منذ عام 2000بالقانون رقم 516 لسنة 2000 .
وإذ أتوجه بكلمتى أخيراً الى من قام على وضع هذه التعديلات وأوجه له الشكر على ما بذله من جهد وأقدر الظروف التى واكبت صدورها من أعمال إرهابية خسيسة ، وأدعوه الى طرح أى مشروع يتعلق بتعديل فى قانون الاجراءات الجنائية أو ما يتعلق به على المجتمع القانونى للمناقشه ،والتداول فى هذا المقترح الحالى عله يكون مناسباً .